الخطيب الشربيني
433
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
لما كذبوه زمانا طويلا حبس الله تعالى عنهم المطر وعقم أرحام نسائهم أربعين سنة فهلكت أموالهم ومواشيهم ، فقال لهم نوح : استغفروا ربكم من الشرك ، أي : استدعوه المغفرة بالتوحيد يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً . روى الشعبي : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما خرج يستسقي بالناس فلم يزد على الاستغفار ، فلما نزل قيل : يا أمير المؤمنين ما رأيناك استسقيت ؟ فقال : لقد طلبت الغيث بمخاريج السماء التي بها يستنزل القطر ، ثم قرأ هذه الآية ، شبه الاستغفار بالأنواء الصادقة التي لا تخطىء . وعن الحسن أن رجلا شكا إليه الجدب ، فقال : استغفر الله ، وشكا إليه آخر الفقر ، وآخر قلة النسل ، وآخر قلة ريع أرضه ، فأمرهم كلهم بالاستغفار ، فقال له الربيع بن صبيح : أتاك رجال يشكون أبوابا ويسألون أنواعا ، فأمرتهم كلهم بالاستغفار ، فتلا الآية . وقال القشيري : من وقعت له حاجة إلى الله تعالى فلن يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار . وقال : إن عمل قوم نوح كان بضد ذلك ، كلما ازداد نوح عليه السلام في الضمان ووجوه الخير والإحسان ازدادوا في الكفر والنسيان . وَيَجْعَلْ لَكُمْ أي : في الدارين جَنَّاتٍ أي : بساتين عظيمة وأعاد العامل للتأكيد ، فقال وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً أي : يخصكم بذلك عمن لم يفعل ذلك ، فإن من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا . وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ الأعراف : 96 ] وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [ المائدة : 66 ] وقال تعالى : وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً [ الجن : 16 ] . ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ أي : الملك الذي له الأمر كله وَقاراً أي : ما لكم لا تأملون له توقيرا ، أي : تعظيما ، والمعنى : ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب . ولله بيان للموقر ولو تأخر لكان صلة الوقار ، فإنّ بالمعرفة تزكو الأعمال وتصلح الأقوال ، إنما سبق أبو بكر رضي الله عنه بشيء وقر في صدره ، وإنما يصح تعظيمه سبحانه بأن لا ترى لك عليه حقا ولا تنازع له اختيارا ، وتعظم أمره ونهيه بعدم المعارضة . وَقَدْ أي : والحال أنه قد أحسن إليكم مرّة بعد مرّة بما لا يقدر عليه غيره ، فدل ذلك على تمام قدرته ثم لم يقطع إحسانه عنكم ، فاستحق أن تؤمنوا به لأنه هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [ الرحمن : 60 ] ورجاء لدوام إحسانه وخوفا من قطعه لأنه خَلَقَكُمْ أي : أوجدكم من العدم مقدّرين أَطْواراً أي : تارات عناصر أولا ثم مركبات تغذي الحيوانات ، ثم أخلاطا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ولحوما وأعصابا ودماء ، ثم خلقا آخر تاما ناطقا ذكرانا وإناثا إلى غير ذلك من الأمور الدالة على قدرته على كل مقدور ، ومن قدر على هذا ابتداء كان على الإعادة أعظم قدرة . أَ لَمْ تَرَوْا أي : أيها القوم كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ أي : الذي له العلم التامّ والقدرة البالغة والعظمة الكاملة سَبْعَ سَماواتٍ هنّ في غاية العلو والسعة والإحكام والزينة طِباقاً أي : متطابقة بعضها فوق بعض ، وكل واحدة في التي تليها محيطة بها ما لها من فروج ، ولا يكون تمام المطابقة كذلك إلا بالإحاطة من كل جانب . وَجَعَلَ الْقَمَرَ أي : الذي ترونه فِيهِنَّ نُوراً أي : لامعا منتشرا كاشفا للمرئيات ، أحد